د. جمال لعبيدي

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

     

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

بقلم: د. جمال لعبيدي

 

    الأستاذ رؤولت 

الأستاذ رؤولت يزداد شهرة في البلاد المغربية والإفريقية، لاسيما وأنه صرح مؤخرا أن " لا علم فرنسي من دون الباحثين المهاجرين أو المغتربين العرب والأفارقة ". لهذا الأستاذ هيئة الفنان والعالم في آن واحد. سبق أن وجهت له أكثر من مرة، حسب ويكيبيديا، تهمة الغش والتلاعب بالمعطيات العلمية. وجرى منعه من النشر، في 2006، في مجلة الجمعية الأمريكية للبيولوجيا. ومع ذلك، له معجبون بين الشباب بسبب مقاومته للأعراف. وكدليل على تفتحه الذهني، بالمقارنة مع الموقف السائد في فرنسا، يشار إلى أنه يكون قد عارض منع الحجاب في معهده، وهناك فيديو متداولة على نطاق واسع بالجزائر. إنه يقول كذلك بأن " الأفارقة والعرب أكثر عملا وأحسن تكوينا وهم الأفضل ". طق ! للذين لا يتوقفون عن النواح على " منظومة التكوين المنكوبة " ولا يعترفون بأفضالها إلا عندما تسمح لهم بالعمل والاعتراف في الخارج. إن ما يقوله الأستاذ رؤولت يرفع من شأننا، بالتأكيد، ولكن هناك مشكل. والمشكل هو أن الأستاذ رؤولت ومعهده، " المعهد الإستشفائي – الجامعي للبحر المتوسط "، يعملان عمل المضخة الجاذبة لهجرة الكفاءات، وبالتالي لنهب مواردنا البشرية التي كلف تكوينها أثمانا باهظة. قد يسرع البعض إلى تكرار الرد المعتاد بأن ذلك سيعود علينا بالفائدة مستقبلا. غير أن هذه الفائدة طال قدومها عشرات السنين. المعهد المذكور مؤسسة ضخمة، ممولة بصورة رئيسية من طرف السلطات الفرنسية، من بينها الجيش. وهي ذات طاقة تفوق الغرض منها وتقع قبالة إفريقيا وتعمل كآلة لإنتاج المنشورات. وقد أمضى فيها العديد من العلميين الجزائريين الشباب فترات تدريب بتوجيه من أساتذتهم الجزائريين. وهي تمثل للراغبين في المغادرة وسيلة هامة جدا تمكنهم من الحصول بسرعة على تأشيرة ونشر بعض الدراسات، تمهيدا للاندماج في الخارج وذلك إلى تاريخ ظهور... كورونا، على الأقل. في المقابل، سمح كل ذلك للمعهد وللأستاذ رؤولت شخصيا بالاستفادة من شبكة تعاطف متينة في بلاد المغرب، يتجلى أثرها اليوم عبر الثقة الممنوحة للعلاج الذي يقترحه وعبر التأييد الذي يحظى به الأستاذ نفسه.

في فرنسا ترتفع حاليا أصوات تطالب الجيش بالتدخل، مصرحة بأن تسيير الأزمة الصحية ثم الأزمة الاقتصادية والاجتماعية عن قريب، يتطلب وجود سلطة حقيقية " مركز قيادة، مارشال فوش ". للتذكير، فقد قام المارشال فوش، أثناء الحرب العالمية الأولى، بإعدام مئات الجنود رميا بالرصاص من أجل " استعادة النظام في الجيش ".

من علامات الزمان: الجيش الجزائري طالب، بالعكس، برئيس مدني وبالاحترام التام للدستور.

     

في الجزائر

أمر غريب: على قدر ما يشعر المرء بالشك، بأزمة ثقة في البلدان الغربية بشأن القدرة على مواجهة الأزمة، على قدر ما يشعر - ربما نتيجة للحراك ولعودة الأنفة - بالمزيد من الثقة بالنفس في الجزائر، وبتقلص حجم أحاسيس بخس الذات التي تعرضنا للأذى. هل يعود هذا أيضا لكون جميع البلدان تعاني نفس الأزمة، فيقع بالتالي تلاشي بعض الرواسم المنتشرة بشأن البلدان المتخلفة ؟ أم لأننا نكتشف، بمناسبة هذه الأزمة، قدراتنا، الاحتياطات الصحية المتراكمة، الكفاءات المتوفرة، طاقاتنا الاجتماعية، أي كل العوامل التي أسأنا تقييمها من قبل؟ ربما استطعنا أن نتغلب على هذه المحنة بأقل الأضرار؟ شعور يدب دبيبا...

خلاصة القول: البشرية تتقدم دائما نزولا عند الضرورة. تحت وطأة الوباء الحالي، وجدت مسائل كثيرة، كانت محل نقاش متجدد في الجزائر، حلولا بصورة طبيعية، مثل نظافة المدن، استعمال وسائل الدفع الالكتروني وغير ذلك. يتجند الناس في المدن والقرى وهم فخورون بالظهور على جبهة الكفاح ضد المرض. الأسلاك الصحية، الحماية المدنية، مصالح الأمن، مصالح النظافة: لا توجد مهام صغيرة وكل واحد يدرك ذلك وكأن الحراك يتواصل بنفس الاندفاع الوطني، لكن ضد الوباء هذه المرة. و ظهور عدد من مؤشرات الحداثة اليوم مثير للانتباه بلا شك: تلك التمارين التي يقوم بها عناصر الحماية المدنية مجهزين بأحدث الأجهزة، أساليب عمل الفرق الصحية ونظافة بدلاتهم الوقائية، استعمال التكنولوجيات، المبادرات المتزايدة عبر الوطن لصناعة الكمامات، الجسر الجوي نحو الصين ليجلب منها طيارو الإيليوشين، ذهابا وإيابا، أطنانا من المعدات، الالتزام بارتداء الكمامات في الإدارات، الخدمات، الجيش، الخ. هذه الصور التي تنم عن الحداثة، هل هي صور دعائية؟ قد تكون كذلك، إلا أن بعضها على الأقل يبدو واقعيا تماما.

التصدي لهذه الأزمة يظهر، بالنسبة لكل بلد، كأنه تحضير، في نفس الوقت، للخروج منها. رئيس الجمهورية محق في تأكيده على هذه النقطة، خلال زيارته مستشفى بني مسوس، وتشديده على استغلال هذا الظرف لتهيئة المستقبل وتصحيح أخطاء الماضي، لاسيما في مجال الصحة العمومية. لكن لماذا يجاري أحيانا غيره باستعمال الخلطة الفرنسية - العربية، العديمة الأناقة، البشعة، الملتبسة. شيء تفصيلي؟ غير أكيد. لن نلح. الرئيس تبون يريد طمأنة الجزائريين، بعث الثقة في  قدراتهم. يبدو شاعرا بالحاجة إلى أسلوب سياسي جديد، أبسط وأكثر ديمقراطية. من المناسب، في هذا الاتجاه، أن يتفضل بوضع حد للأسلوب الفخم، الموروث عن عهد آخر، والذي ترمز إليه قاعة مجلس الوزراء. في البلدان الديمقراطية، تكفي عدة طاولات وكراسي لاجتماع الحكومة. حجم القاعة والتكلف العتيق لن يزيدا شيئا لأهمية مجلس الوزراء. الأمل معقود على تكريس تلك الإرادة المعلنة للتوجه نحو المزيد من التواضع وبالتالي المزيد من الفعالية والروح الديمقراطية في تسيير شؤون الدولة. إنه وجه آخر من وجوه الكفاح ضد كورونا، كفاح يضفي على الشعور بالمساواة والعدالة أبعادا حيوية، كونه يكشف اليوم عن قدرات كل أمة

modal